1
عودة راما
ظل مولد ذبذبات الرادار الضخم بمحطة «إكسكاليبور»، الذي يعمل عن طريق الانفجارات النووية، معطلًا لما يقرب من نصف قرن. وقد بُذلت جهود محمومة لتصميمه وتطويره خلال الشهور التي تلت مرور المركبة الفضائية راما عبر النظام الشمسي. وكان الغرض الذي أُعلن عنه عند تشغيل المولد عام 2132م لأول مرة هو إنذار كوكب الأرض بقدوم أي زوار من خارج الكوكب في المستقبل، وذلك قبل قدومهم بوقت كاف. فأصبح من الممكن اكتشاف جسم بضخامة راما قبل سنوات ضوئية من وصوله، أي قبل سنوات من تأثيره بأي صورة على الحياة الإنسانية.
وقد اتُّخذ قرار إنشاء محطة «إكسكاليبور» حتى قبل أن تمر راما بالحضيض الشمسي (أقرب نقطة للشمس). ونظرًا لأن أول زائر من خارج كوكب الأرض دار حول الشمس واتجه نحو النجوم، فعكفت جموع العلماء على دراسة البيانات التي تجمعت لديها من البعثة الوحيدة التي تمكنت من لقاء الزائر الدخيل.
فأعلنوا أن راما هي جسم آلي يتمتع بالذكاء، وليس لديه أدنى اهتمام بنظامنا الشمسي أو بسكان الأرض. ولم يقدم التقرير الرسمي أي تفسيرات للألغاز العديدة التي وجدها المحققون، بيد أن الخبراء أقنعوا أنفسهم بأنهم أدركوا مبدأ أساسيًّا واحدًا فيما يتعلق بالتقنية الهندسية لراما؛ يتلخص ذلك المبدأ في أنه نظرًا لأن أغلب الأنظمة الرئيسية والفرعية التي وجدها المستكشفون من البشر داخل راما كانت مزودة بنسختين احتياطيتين منها، فيبدو أن الزوار القادمين من خارج الأرض يصممون «ثلاثة» نسخ من كل شيء يصنعونه. وعليه، ونتيجة لأن المركبة العملاقة بأكملها كانت تُعتبر آلة، فقد كان العلماء يرجحون بدرجة كبيرة احتمال قدوم سفينتي فضاء أخريين مثل راما عقب هذه الزيارة الأولى.
ومع ذلك فلم تدخل أي سفينة فضائية أخرى حيز النظام الشمسي قادمة من الفضاء الفارغ الذي يصل ما بين النجوم. ومع مرور السنوات انشغل سكان الأرض بمواجهة مشاكل أكثر إلحاحًا؛ مما أدى إلى تلاشي الاهتمام شيئًا فشيئًا بأمر سكان راما— أو من صنعوا تلك المركبة الأسطوانية القاتمة التي يصل طولها إلى خمسين كيلومترًا أيًّا كانوا — بعد أن تحولت الزيارة الوحيدة من خارج كوكب الأرض إلى مجرد حدث تاريخي. وقد ظلت زيارة راما تشغل عقول العديد من الباحثين، لكن أغلب البشر اضطروا إلى التركيز على قضايا أخرى. وفي أوائل أربعينيات القرن الثاني والعشرين تعرض العالم إلى أزمة اقتصادية حادة. ولم يتوفر المال للحفاظ على محطة «إكسكاليبور»، ولم تكن اكتشافاتها العلمية المحدودة لتبرر المصروفات الهائلة التي كانت تُنفق لضمان سلامة تشغيلها؛ فجرى التخلي عن مولد الذبذبات النووي الضخم.