الفصل الثاني
الشرق الغامض والعداء
إن مصطلح «الشرق الأوسط» ابتكره أدميرال أمريكي عام 1902، وقبل ذلك كان الأمريكيون والأوروبيون يتحدثون عن المنطقة مشيرين إليها بكلمة «الشرق»، وكان هذا المصطلح يشير، دون تحديد دقيق، إلى مساحة الأرض الممتدة ما بين المغرب ومصر، ثم تنحني عبر الجزيرة العربية نحو الشام قبل أن تصل في النهاية إلى تركيا. ولكن هذا التقسيم لم يقم تمامًا على جغرافية المكان؛ فالدار البيضاء مثلًا تقع إلى غرب مدريد ومارسيليا وروما، لذلك يمكننا القول إن مصطلح الشرق كان يصف إقليمًا تجمعه حضارة مميزة، وأساليب حكم وهياكل اجتماعية وأنماط من العمارة والملبس. وكان سكان تلك المنطقة معروفين للغربيين بمسميات عدة؛ العرب، وأهل الشام، والجزائريين، والبربر، والأتراك. وكان الاعتقاد السائد أنهم معادون للغرب ويتحدثون لغة ذات وقع غريب على الأذن الأمريكية. أما ما كان يميز الشرق أكثر من مواصفاته السياسية والفنية أو اللغوية فكان هذا الدين المسمى الإسلام. كان الأمريكيون في القرن الثامن عشر ينظرون إلى أتباع تلك العقيدة باعتبارهم «الآخر» المختلف عنهم تمامًا. كانوا من وجهة نظرهم كتلة غريبة غير متناسقة، وينحدرون من حضارة عظيمة انهارت منذ زمن طويل، إلى جانب أنهم بدائيون، يتميزون بالعنف والقسوة.
سراب خادع
انتقلت الصور السلبية عن الشرق من العالم القديم إلى العالم الجديد في أذهان المهاجرين الأوروبيين الأوائل. سافر جورج سانديز George Sandys — الذي صار فيما بعد وزير المالية في مستعمرة فيرجينيا — إلى الشرق الأوسط لأول مرة عام 1610، ووصفه بأنه منطقة مليئة بالوحشية والقذارة، وقال: «أعتقد أنه لا يوجد مكان كهذا في العالم يعد من يراه بالكثير، ولكنه يخيب توقعات زائريه.» شارك حاكم فيرجينيا جون سميث سانديز في رأيه، وكان الأول قد حارب قبل ذلك كمرتزق ضد العثمانيين، وكان درعه يحمل رسمًا يمثل رءوس الأعداء التي حصدها. وقد وصلت فكرة تفوق الغرب على الشرق مع المهاجرين إلي بليموث إلى جانب أفكار مبدئية عن الديمقراطية والعدل الاجتماعي. وكانت هناك صخرة قرب المستعمرة، قيل إنه كتب عليها: «تنهار الأمم الشرقية وينتهي مجدها، وتقوم الإمبراطورية حيث تغرب الشمس.»